هناك مَنْ يرى أنَّ عاشوراءَ هو اليومُ التاسعُ مِنَ المُحرَّم، وذلك استنادًا إلى الحديث الذي رواه مسلمٌ (١١٣٣) عن الحَكَم بنِ الأعرج قال: انْتَهَيْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ رِدَاءَهُ فِي زَمْزَمَ فَقُلْتُ لَهُ: «أَخْبِرْنِي عَنْ صَوْمِ عَاشُورَاءَ»، فَقَالَ: «إِذَا رَأَيْتَ هِلَالَ الْمُحَرَّمِ فَاعْدُدْ، وَأَصْبِحْ يَوْمَ التَّاسِعِ صَائِمًا»، قُلْتُ: «هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُهُ؟» قَالَ: «نَعَمْ»؛ فما توجيهُكم لهذا الحديثِ بارك الله فيكم.
سماع صوتي
الجواب:
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:
فمذهبُ جماهير العلماء مِنَ السلف والخلف أنَّ عاشوراءَ هو اليومُ العاشرُ مِنْ شهر الله المُحرَّم(١)، وهو مُقتضى الاشتقاق والتسمية، ويشهد له التصريحُ الوارد في حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «أَمَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصَوْمِ عَاشُورَاءَ يَوْمَ العَاشِرِ»(٢)، وعنه رضي الله عنهما أنه كان يقول: «خَالِفُوا اليَهُودَ؛ صُومُوا التَّاسِعَ وَالْعَاشِرَ»(٣)، كما يدلُّ عليه ظواهرُ الأحاديثِ الواردةِ في بيانِ حُكمِ صيامِ عاشوراءَ وفضلِه، وهو الراجح.
ومَنْ رأى أنَّ عاشوراءَ هو اليومُ التاسع فقَدْ أَشكلَ عليه قولُ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما المذكورُ في السؤال، والذي ظاهِرُه أنَّ يومَ عاشوراءَ هو اليومُ التاسع، وقد أجاب عن هذا الإشكالِ ابنُ حجرٍ ـ رحمه الله ـ بقوله: «قال الزين بنُ المُنَيِّر: قولُه: «إِذَا أَصْبَحْتَ مِنْ تَاسِعه فَأَصْبِحْ»(٤) يُشعِرُ بأنه أراد العاشرَ لأنه لا يُصبِح صائمًا بعد أَنْ أَصبحَ مِنْ تاسعِه إلَّا إذا نوى الصومَ مِنَ الليلة المُقبِلة وهو الليلةُ العاشرة؛ قلتُ [ابنُ حجرٍ]: ويُقوِّي هذا الاحتمالَ ما رواه مسلمٌ ـ أيضًا ـ مِنْ وجهٍ آخَرَ عن ابنِ عبَّاسٍ «أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم قال: «لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ»، فمات قبل ذلك»(٥)، فإنه ظاهرٌ في أنه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم كان يصوم العاشرَ، وهَمَّ بصوم التاسع فمات قبل ذلك، ثُمَّ ما هَمَّ به مِنْ صوم التاسع يَحتمِل معناه: أنه لا يَقتصِرُ عليه بل يُضيفُه إلى اليوم العاشر: إمَّا احتياطًا له(٦)، وإمَّا مُخالَفةً لليهود والنصارى وهو الأرجح، وبه يُشعِرُ بعضُ رواياتِ مسلمٍ»(٧).
وعليه، يتبيَّن ـ بوضوحٍ ـ أنَّ ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما لم يجعل عاشوراءَ هو اليومَ التاسع، وإنما أَرشدَ السائلَ إلى صيام التاسع مع العاشر، وهو ما يدلُّ عليه مجموعُ أحاديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، ويعكس صِحَّةَ هذا الفهمِ ما ذَكَره ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ في مَعْرِضِ توضيح أنَّ آثارَ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما تَتَّفِقُ ولا تختلف، بل يُصدِّق بعضُها بعضًا حيث قال ـ رحمه الله ـ: «فمَنْ تأمَّل مجموعَ رواياتِ ابنِ عبَّاسٍ تَبيَّن له زوالُ الإشكالِ وسَعَةُ علمِ ابنِ عبَّاسٍ، فإنه لم يجعل عاشوراءَ هو اليومَ التاسعَ، بل قال للسائل: صُمِ اليومَ التاسع، واكتفى بمعرفة السائل أنَّ يومَ عاشوراءَ هو اليوم العاشر الذي يَعُدُّه الناسُ كُلُّهم يومَ عاشوراء، فأَرشدَ السائلَ إلى صيام التاسع معه، وأَخبرَ أنَّ رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم كان يصومه كذلك؛ فإمَّا أَنْ يكون فِعْلُ ذلك هو الأَوْلى، وإمَّا أَنْ يكون حمل فِعله على الأمر به وعزمِه عليه في المُستقبَل؛ ويدلُّ على ذلك أنه هو الذي روى: «صُومُوا يَوْمًا قَبْلَهُ وَيَوْمًا بَعْدَهُ»(٨)، وهو الذي روى: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ يَوْمَ العَاشِرِ»(٩)؛ وكُلُّ هذه الآثارِ عنه يُصدِّق بعضُها بعضًا ويُؤيِّد بعضُها بعضًا»(١٠).
لذلك كان مِنَ الخطإ البيِّنِ الاقتصارُ على صيامِ يوم التاسع فقط؛ إذ الواجبُ دفعُ التعارضِ وحملُ كلامِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما على التوافق ـ كما تقدَّم ـ، وذلك بفقهِ ألفاظِ الأحاديث ومعرفةِ طُرُقها؛ قال ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ: «وأمَّا إفرادُ التاسع فمِنْ نقصِ فهمِ الآثار وعدمِ تتبُّعِ ألفاظِها وطُرُقها، وهو بعيدٌ مِنَ اللغة والشرع، واللهُ المُوفِّقُ للصواب»(١١).
والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.
التعليقات